
لا يقلل وفائى لذلك النداء الغالى من تقديرى التام للتاكسى والذى لا أنسى له مواقفه حينما أقرر انه لا يوجد فى الحياة ما يكفى من الوقت لقضاؤه فى انتظار الميكروباص..
كم حملتنى هذه العجلات الى أماكن وكم علمتنى من أشياء ..وعندما اجلس مع نفسى لأعدد ما تعلمته فى السنوات التى قضيتها حتى الان فى الكلية لا استطيع ان اغفل ما رأيته فى المواصلات والتى لولا ما تحملها من تجارب جديدة وممتعة بالنسبة لى لأصبح تخيل الفترة التى نقضيها فيها _والتى تتميز بها مصر_مبعث للاندهاش والأسى أحياناً..
سأحاول فى السطور القادمة أن أعيد مع نفسى بعض الذكريات التى لا أنساها معها..وما يخص ما تعلمته من سائقيها بوجه خاص..فمجتمع السائقين فى حد ذاته حكاية كبيرة وغنية ولكنى سأركز هنا على مواقف انسانية اكثر منها اى شيئ أخر كانت بالنسبة لى رسائل تأثرت بها ..فلم تكن حكم أطلقوها بقدر ما كانت خلاصة مواقف عاشوها حتى اصبح كلامهم ترجمة لما علمته لهم الحياة..

قريييب..أكتر من أى حد
ركبت ذلك التاكسى متوجهة من البيت للجامعة..كنت اقوم على عجل باللمسات النهائية لبحث سنسلمه فى اول محاضرة ولم أكن منتبهة للطريق ولا للناس نظرا لضيق الوقت واهتمامى بانهاء ما أفعل..حتى جاءت فرملة قوية للتاكسى لتنبهنى الى رجل يصرخ وقد القى بنفسه امام التاكسى ليجبره على الوقوف والموافقة على ركوبه وتوصيله وهو مستمر فى الصراخ والبكاء وانا لا اجد رد فعل سوى انى "متنحة"وكذلك السائق الذى اخذ يهدئ الرجل ويحاول ان يفهم منه..
بعد فترة طويلة من البكاء والكلمات الغير مفهومة علمنا أخيرا سبب كل ذلك..لقد علم هذا الرجل منذ لحظات بوفاة أمه..كلمته اخته واخبرته ..كان لا يصدق..كان يبكى كالأطفال ..كطفل ضائع يبحث عن مأوى..بضع
دقائق أخرى وبدأ فى الدعاء ..كنت اظنه فى اولا دعاءا لأمه حتى اكتشفت انه دعاءا على زوجته التى عرض عليها بالأمس ان يذهبا ليبيتا مع أمه فنصحته ان يؤجل ذلك ليوم اخر حتى ينهى الأولاد امتحاناتهم..كان يدعو ويسب ويتوعد وانا منكمشة فى المقعد الخلفى متأثرة لحاله من جهة وقلقة وانا اتخيل فى نفس الوقت مصير تلك الزوجة التى اظنها لو سمعت فقط ما يعد لها لندمت على اليوم الذى ولدت فيه..ناهيك عن ندمها على اليوم التى قررت فيه ادخال أولادها مدارس..
كان الرجل يتصبب عرقا فى يوم شديد البرودة قائلا:"طول عمرها كانت لو حدها ..ودلوقتى بردو لوحدها..ياريت اعرف اجيلك"ويبكى..
كل هذا والسائق صامت تماما الا من بعض الكلمات التى يدعو فيها للرجل بالصبر ..لم يكن يبدو على السائق أى علامات مميزة سوى سيجارته التى اطفأها بمجرد ركوب الرجل..انتظر قليلا ثم بدأ فى الحديث..
- استهدى بالله بس ..لوحدها ايه..هيه راحت عند حد غريب ..
- لا مش حد غريب..دى كانت دايما تصلى حتى وهيه عيانة..بس بردو لوحدها
- تانى هتقول لوحدها..ده اقرب حد ليها وليك..عارفها اكتر مننا كلنا وبيحبها اكتر من الكل..انا مش بقولك كده اهديك..لا دى حقيقة..عارف انته مش حاسس بيها ليه
- ليه (وقد بدأ يهدأ قليلا)
- اقولك ليه..امته اخر مرة قلت فيها يااارب..من قلبك أوى ومليش غيرك ورميت كل حمولك عليه لما تضيق أوى
- -----------
- ياااااااارب عارفها
أخذ يكرر ياااارب بنداء واحساس لم أسمعه من قبل..والرجل يبكى ويرددها خلفه..مرات ومرات
- هو ده اللى هيه راحتله..مش هوه اللى بعيد ولا غريب عننا ..احنا اللى بنبعد ونتغرب..ده حتى بيقبلنا كده زى محنا ويستنى علينا لغاية منقرب..متخافش عليها
- -------------
- ادعيلها بالخير وقول ياااارب
- يااااااااارب (وقد بدأ يرددها..يبكى ويشعر بها وكأنه يقول لنفسه كيف لم أقلها قبل كذلك..كيف لم اشعر بهذا الاحتياج والقرب من قبل..كيف تكون وحدها وهى معه..ويدعو لها بالخير والرحمة ولنفسه الهدى والصلاح)
لم يأخذ ذلك الحوار اكثر من دقائق ولكن أتعلمون حينما يتبدل الانسان من حال الى حال..من حالى السخط الى حال الحمد..من حال البعد الى حال القرب..من حال القلق الى حال الاطمئنان والسكينة
------------
استمر الحديث بينه وبين السائق..اما انا فقد اضطررت للنزول لأننا وصلنا ..
لأول مرة أصل للكلية وأنا أود لو لم أصل.. ربما تركت التاكسى والسائق والرجل والبحث...
و لكن ظلت تلك الكلمات
مش هوه اللى بعيد ولا غريب عننا ..احنا اللى بنبعد ونتغرب

كان هذا موقفا مررت به فى طريقى للكلية ..اكتفى به هذه المرة على أن أكمل فى التدوينة القادمة ان شاء الله مواقف أخرى على طريق جيزة..جماعة..جيزة



















